الشوكاني

228

نيل الأوطار

بالجماعة وإياكم والفرقة فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد . من أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة . من سرته حسنته وساءته سيئته فذلك المؤمن رواه أحمد والترمذي . قال الترمذي بعد إخراج هذا الحديث : هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه . وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن عمر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم انتهى . وأخرجه أيضا ابن حبان وصححه . قوله : أوصيكم بأصحابي قد وقد الاختلاف فيمن يستحق إطلاق اسم الصحابي عليه وهو مبسوط في مواطنه من علم الاصطلاح . قوله : الجابية بالجيم قال في القاموس : هو حوض ضخم والجماعة وقرية بدمشق وباب الجابية من أبوابها انتهى . والمراد هنا القرية . قوله : ثم يفشو الكذب رتب صلى الله عليه وآله وسلم فشو الكذب على انقراض الثالث . فالقرن الذي بعده ثم من بعده إلى القيامة ، قد فشا فيهم الكذب بهذا النص . فعلى المتيقظ من حاكم أو عالم أن يبالغ في تعرف أحوال الشهادة والمخبرين ، وأن لا يجعل الأصل في ذلك الصدق ، لأن كل شهادة وكل خبر قد دخله الاحتمال ، ومع دخول الاحتمال يمتنع القبول إلا بعد معرفة صدق المخبر والشاهد بأي دليل . وأقل الأحوال أنه ليس ممن يتجارأ على الكذب ويجازف في أقواله . ومن هذه الحيثية لم يقبل المجهول عند علماء المنقول لأن العدالة ملكة ، والملكات مسبوقة بالعدم ، فمن لا تعرف عدالته لا تقبل روايته ، لأن الفسق مانع فلا بد من تحقق عدمه . وكذلك الكذب مانع فلا بد من تحقق عدمه كما تقرر في الأصول . وفي الحديث التوصية بخير القرون وهم الصحابة ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم . وقد وعدنا أن نذكر ههنا طرفا من الكلام على ما ورد من معارضة الأحاديث القاضية بأفضلية الصحابة فنقول : قد تقدم في باب من أعلم صاحب الحق بشهادة له عنده ، وذم من أدى شهادة من غير مسألة حديث عمران بن حصين وحديث أبي هريرة : أن خير القرون قرنه صلى الله عليه وآله وسلم وفي ذلك دليل على أنهم الخيار من هذه الأمة وأنه لا أكثر خيرا منهم . وقد ذهب الجمهور إلى أن ذلك باعتبار كل فرد فرد . وقال ابن عبد البر : إن التفضيل إنما هو بالنسبة إلى مجموع الصحابة فإنهم أفضل ممن بعدهم لا كل فرد منهم . وقد أخرج الترمذي بإسناد